الانتقال إلى المحتوى
جميع المقالات

اسعَ بوسعك: كيف تكتشف طاقتك الحقيقية عبر السعي

تأملات في الإيمان والسعي والقدرة، وكيف لا يكون اكتشاف وسعك شرطًا يسبق العمل بل ثمرة تولد داخله.

حسن أبو شعلة

بانِي · مفكّر · مؤمن

حسن أبو شعلة
◆

ثمة مفارقة شغلتني منذ بدأت أسأل عن غايتي، وأتساءل عمّا خُلقت لأجله تحديدًا.

يهمس القرآن بوعد مطمئن: “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”. لا يحمّل الله نفسًا فوق طاقتها.

آية جميلة ورحيمة. لكن السؤال الذي يلحّ بعدها هو: إذا كان الله يعلم وسعي، فلماذا أقضي عمري كلّه أبحث عنه؟

طاردت هذا السؤال في الأقبية وغرف الاجتماعات، بين الإخفاقات وقوائم التقدير، خلال سنتين نمت فيهما خلف برّاد في شقة أصدقائي، وعبر عقدين من محاولة بناء أشياء تستحق أن توجد.

وفي منتصف الطريق، بين عثرات ونجاحات، اتّضح الجواب:

اكتشاف وسعك ليس شرطًا يسبق السعي، بل هو السعي نفسه.

يختبئ السر في كلمتين عربيتين بسيطتين، كان يمكن لجدّتي أن تهمس بهما في أذني: اسعَ بوسعك. لا بوسع غيرك، ولا بالوسع الذي تتمنّى لو تملكه اليوم، بل بوسعك أنت: ذلك الوسع الذي لا ينكشف إلا حين تدفع حدوده بيديك.

المسافة لا نقطة الوصول

نحن نغرق في المقارنة. كل تمريرة على الشاشة تهمس لك: فلان سبقك، فلان يملك أكثر، فلان وصل بينما ما زلت تفكّر من أين تبدأ ولماذا.

المقارنة لصّ هادئ. تسرق انتباهك من السباق الوحيد الذي يخصّك، السباق الوحيد الذي كُتب لك أن تركضه.

حين توقفت عن الالتفات يمينًا ويسارًا، فهمت أخيرًا:

لا تُقاس حياتك بالمكان الذي تنتهي عنده، بل بالمسافة التي قطعتها من نقطة بدايتك، وبما إذا كنت تمشي نحو ما يستحق.

لأن قطع المسافات بلا وجهة ليس إلا تيهًا. يمكنك أنتركض طويلًا ولا تصل إلى شيء. السؤال ليس فقط كم سعيت، بل نحو ماذا.

كل واحد منّا يبدأ من نقطة مختلفة: العائلة، الجغرافيا، الصحة، الفرص، والجراح. بعض الناس يرثون شبكات علاقات ورأس مال، وبعضهم لا يرث إلا الدعاء والمثابرة، أو أملًا مستعارًا وإرادة أن يحاول.

وهنا يكمن السر: الله لا يقارنك بغيرك، بل يقارنك بإمكانك أنت.

من ينتقل من الصفر إلى الثلاثة بجيوب فارغة ومن غير خريطة قد يكون أصدق سعيًا ممّن انساب من الثمانية إلى التسعة والرياح كلها خلف ظهره. الثاني وصل أبعد في أعين الناس، أما الأول فقد أصبح أكثر.

المنافسة الوحيدة التي تستحق أن تكسبها هي: أنت في مواجهة إمكانك.

استثمار الانتباه

إذا كان السعي هو الجواب، فالسؤال التالي يشتعل: أين؟ ولأجل ماذا؟

الوقت ثمين، لكن الانتباه هو ما يمنح الوقت قيمته. حين تصرفه لا يعود. والمكان الذي تستثمر فيه انتباهك هو الذي يكتب قصتك وأثرك.

الحياة دوائر متداخلة: النفس، العائلة، الأصدقاء المقربون، المجتمع، المهنة، والعالم. والفخ هو أن تظن أنك تستطيع تغذية هذه الدوائر كلها بالتساوي في اللحظة نفسها. لن تستطيع. ستتمدد حتى ترقّ: حاضرًا في كل مكان، غير مؤثر في أي مكان.

الحكمة التي دفعت ثمنها إرهاقًا هي: اختر دائرة واحدة في كل مرحلة، وامنحها أعمق انتباهك. اغرس فيها حتى تبلغ الصخر، ثم أعد التقييم حين يتسع وسعك.

في الثانية والعشرين من عمري، كانت دائرتي هي المجتمع. سكبت نفسي في «حاسوب» لبناء بيت يجمع التقنيين والرياديين العرب. واليوم، وابنتي بين ذراعيّ، تناديني دائرة العائلة بصوت أعلى. لا يوجد هنا قرار واحد صالح لكل الفصول، بل سعي بوسعك داخل الدائرة التي تحتاجك أكثر الآن.

عضلة الوسع

لا يمكنك أن تعرف وسعك بالتفكير وحده. لا تعرفه إلا بالفعل.

أطلقت مشاريع كثيرة عبر السنين. بعضها تحوّل إلى حراك ومؤسسات، وبعضها انطفأ بهدوء، وبعضها فشل فشلًا صريحًا. لكن كل تجربة علّمتني عن وسعي ما لم تكن ألف خطة على الورق لتكشفه.

يؤكد القرآن هذه الحقيقة: “وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ”.

ليس للإنسان ما خطّط له، ولا ما تمنّاه، بل ما سعى إليه.

التخطيط الطويل يمنحك وهم التقدّم. أما السعي فيصنع التقدّم الحقيقي: ركبًا مخدوشة، دروسًا صلبة، ووسعًا يتمدد مع كل محاولة.

وسعك ليس رقمًا ثابتًا. إنه عضلة تنمو حين تتحدّاها، وتضمر حين تبالغ في حمايتها.

لذلك عش بخفّة البانين: جرّب وعدّل بدل أن تنتظر الكمال. أطلق ولا تؤجّل. تعلّم في الحركة لا في التنظير.

أنت لا تؤدّي عرضًا أمام الناس، أنت تتشكّل.

شجاعة الاختلاف والبناء

أحيانًا يتطلب اكتشاف وسعك أن تغادر المسار الجاهز.

تركت الجامعة، وغادرت وظيفة مريحة لأبدأ مؤسسة غير ربحية، وفشلت في مشروع تجاري، وعشت سنتين خلف برّاد في شقة أصدقائي: أبني في النهار، وأسأل نفسي في الليل عمّا أفعله بحياتي.

في تلك السنوات أدركت أنه حين لا تناسبك الوصفة الجاهزة، عليك أن تتعلم الطبخ من الصفر. كانت تلك الفصول هي التي مدّت وسعي وكشفت لي طاقات لم أكن أعرف أنها بداخلي.

وما اتّضح لي يومها ما زال يزداد وضوحًا اليوم: عالمنا يحتاج بناة أكثر. أناسًا يلاحظون الخلل ويبنون الحل من غير أن ينتظروا إذنًا من أحد. فاعلين يتحركون بدل أن يكتفوا بالشكوى.

واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تتساقط الجدران أمام البناء والابتكار. شاب أو شابة مع حاسوب محمول في قرية بعيدة يستطيع اليوم أن يبني ما كان يحتاج بالأمس فرقًا كاملة من المهندسين. الأدوات وصلت، والسؤال هو: هل ستستخدمها لتبني، أم ستكتفي بمشاهدة الآخرين يبنون المستقبل وأنت تمرّ عليه بإصبعك؟

دعوتي لك بسيطة: كن بانيًا. لا ترضَ بدور المستهلك الدائم. ابدأ من حيث تقف، وابنِ شيئًا يجعل الحياة أفضل لنفسك أو لعائلتك أو لمجتمعك.

من يرافقك في الطريق

الوحدة هي ضريبة المسار غير المألوف، إلا إذا استثمرت في الرفاق الصادقين.

حين تمشي في طريق غير معبّد، تحتاج حولك من يؤمن بالوجهة حتى حين لا يرى الطريق كاملًا. كل إنسان تمشي معه إما أن يوسّع طاقتك على السعي أو يضيّقها، وأنت تفعل الشيء نفسه لمن حولك.

حين أنظر إلى الخلف أرى نمطًا واضحًا: الذين شكّلوا وسعي لم يكونوا دائمًا من جعلوا الطريق أسهل، بل من جعلوه أعمق معنى. والدين دعما حتى حين لم تتضح لهما كل التفاصيل، وأصدقاء تحدّوني حين ركنت إلى الراحة، ومرشدون آمنوا بي قبل أن أملك الدليل.

ثم يأتي الاختيار الأهم: شريك الحياة.

زوجتي سجود هي شريكة في الحلم، لا شريكة في تفاصيل اليوم فقط. منذ البداية جمعتنا الوجهة قبل أي شيء آخر: أن نلتقي في الجنة. تقلبات المهنة؟ مؤقتة. ضيق الموارد؟ عابر. كل المنعطفات تصبح قابلة للعبور حين تتفق القلوب على الأفق.

ما وراء السعي

لن تعرف وسعك كاملًا حتى آخر يوم في عمرك. ورحلة اكتشافه، هي العبادة.

لكن هناك أمرًا واحدًا يمكن أن يفرغ أثقل سعي من روحه: النية.

السعي بلا نية صادقة ليس إلا طموحًا يرتدي ثوب الغاية.

النفس صبورة؛ تنتظر حتى تأتي الإنجازات ثم تهمس لك: هذا صنيعك أنت، أنت بنيته وأنت تستحق الثناء. ولذلك، بقدر ما تراجع خطتك، راجع صدق النية. اسأل نفسك باستمرار: هل أسعى طلبًا لرضا الله ونفع الناس، أم طلبًا لصورتي؟

دورك الآن

اسعَ، وسترتسم الخريطة في الطريق.
ادفع حدودك، وستتراجع القيود.
ابنِ، وسيتسع وسعك لتحديات لا تتخيلها اليوم.
أخلص النية، وسترى البركة تحلّ فيما تبني.

وهذا دعاء أحمله معي دائمًا:

اللهم ارزقنا إخلاص النيّة وإتقان العمل وبركة الأثر وحسن الختام، وألهمنا حُسن السعي إلى رضاك.

توكّل على الله، واسعَ بوسعك.